إن لكل فردوسه الخاص: إن فردوسك ، سيكون محشواً بالكتب ودمجانات الحبر الكبيرة . وبالنسبة لإنسان آخر سيكون محشواً ببراميل الخمر والروم والكونياك. وبالنسبة لآخر، بأنضاد الجنيهات الإسترلينية. أما فردوسي أنا فهو هذا: غرفة صغيرة عبقة فيها أثواب زاهية، وصابون، وسرير عريض ذو نوابض، وإلى جانبي امرأة.
أنا أعتقد أن الذي يريد أن يكون حراً هو وحده مخلوق إنساني.
المرأة لا تريد أن تكون حرة. إذن ، فهل المرأة مخلوق إنساني؟
أنا عندما أرغب في شيء ما ، أتعرف ما أفعل؟ إنني آكل منه حتى التقزز حتى أتخلص منه ولا أفكر به مطلقاً. أو أفكر به باشمئزاز.
إن الإنسان تحرر هكذا، بأن يشبع من كل شيء يخطر له، لا بأن يزهد فيه. كيف تستطيع يا صديقي أن تتخلص من الشيطان، إذ لم تصبح أنت بنفسك شيطاناً ونصف شيطان؟
الإنسان لا يكون أسقفا، عندما يكون في ثياب النوم.
هناك أبدية، حتى في حياتنا الفانية، لكن من الصعوبة علينا بمكان أن نكتشفها بمفردنا. إن الهموم اليومية تبعدنا عنها، إن البعض فقط ، النخبة ، يتوصلون إلى أن يعيشوا الأبدية ، حتى أثناء حياتهم الفانية. ولما كان الآخرون سيهلكون ، فقد أشفق الله عليهم ، وأرسل لهم الدين ، وهكذا أصبح بإمكان الجماهير أن تعيش الأبدية أيضاً.
إن الله يبدل وجهه في كل لحظة. وسعيد من يستطيع أن يتعرف عليه تحت كل أقنعته ، فهو تارة قدح ماء بارد ، وتارة أخرى ابن يثب على ركبتيك ، أو امرأة ساحرة ، أو بكل بساطة نزهة صباحية صغيرة .
إن كل ما هو جميل في هذا العالم قد اخترعته الشياطين : النساء الجميلات، والربيع ، والخنزير المحمر ، والخمر ، كل هذا ، إنما الشيطان هو الذي أوجده . أما الإله الطيب فقد أوجد الرهبان ، والصوم ، ونقيع البابونج ، والنساء القبيحات ، افٍ !
الفكرة هي كل شيء . أعندك إيمان؟ إذن فإن قطعة من باب قديم تصبح رفاتاً مقدساً . ليس لديك إيمان؟ إن الصليب المقدس كله يصبح باباً قديماً.
ذات يوم دخلت إلى قرية بلغارية . فرآني مختارها ، وكان يونانياً ، نذلاً ، فوشى بي ، فحاصروا المنزل الذي نزلت فيه . واندفعت إلى السطح ، وانزلقت من سطح إلى آخر ، وثباً ، مثل قطة ، مستهدياً بضوء القمر . لكنهم لمحو ظلي ، فتسلقوا الأسطح وأخذوا يطلقون الرصاص . عندئذ ، ماذا فعلت؟ ألقين بنفسي في باحة . فوجدت فيها بلغارية راقدة بقميصها . فرأتني ، وفتحت فمها لتصرخ ، لكنني مددت زراعي هامساً : الرحمة ! الرحمة ! اصمتي !" وأمسكت صدرها . فشحبت المرأة وخارت عزيمتها ، وقالت لي بصوت شديد الخفوت :
ادخل ، ادخل ، حتى لا يرونا …
فدخلت ، وشدت على يدي قائلة : أأنت يوناني ؟ - نعم ، يوناني، فلا تشي بي . وأخذتها من خصرها ، فلم تقل شيئاً . فنمت معها ، وكان قلبي يرتعش من العذوبة، وأنا أقول لنفسي : " انظر ، انظر ، يا زوربا اللعين ، إنها امرأة ، إنها مخلوق إنساني ! من هي ، هذه ؟ بلغارية ، يونانية ، إفريقية ؟ لا فرق أيها العجوز ! إنها مخلوق بشري ، مخلوق بشري له فم ، وثديان ، وهو يحب . ألا تخجل من القتل؟ آيها النذل !.
ما دامت هناك أوطان ، فإن الإنسان سيبقى حيواناً ، حيواناً مفترساً …
لا يهم أن يكون للإنسان رأس ، يكفي أن تكون عنده قبعة . إن العالم يستحق أن نبصق عليه .
لكنني سرقت ، وقتلت ، وكذبت ، ونمت مع مجموعة من النساء ، وانتهكت كل الوصايا . كم وصية هناك؟ عشرة ؟ آه! أود لو كان هناك عشرون ، خمسون ، مئة ، كي أنتهكها جميعاً! ومع ذلك ، لو أن الله موجود ، لما خفت مطلقاً أن أمثل أمامه ، حين يجيء اليوم الموعود . لست أدري كيف أشرح لك كي تفهم. كل هذا ، أعتقد أن لا أهمية له . هل يتنازل الله ويعير اهتمامه دود الأرض ويحاسبه ، ويغضب ، ويثور ، لأننا خطونا خطوة خاطئة . ودسنا على أنثى الدود من طرفها؟ أو لأننا أكلنا لقمة لحم ، يوم الجمعة المقدس؟ أف! ما أدعاكم إلى السخرية ، أيها الكهنة المليئون بالحساء!
_ حسناً يا زوربا ، إن الله لا يسأل ماذا أكلت ، بل ماذا فعلت !
_ حسنا ، وأنا أقول لك أنه لا يسأل ذلك أبداً ! قد تقول لي: وكيف تعرف ذلك ، أيها الجاهل زوربا ؟ إنني أعرفه ، إنني متأكد ، لأنه لو كان لدي ، أنا ، ابنان ، أحدهما عاقل ، رصين ، مقتصد ، تقي ، والآخر خبيث ، شره ، زير نساء، خارج عن القانون ، لقبلت بهما كليهما على مائدتي ، بالتأكيد ، لكنني ، لست أدري لماذا ، أفضل الثاني . لعل ذلك لأنع سيكون أشبه بي ؟ لكن من قال لك أني لا أشبه الله الرحيم أكثر من الكاهن أسطفان الذي يمضي أيامه ولياليه في الركوع وجمع القروش ؟
" إن الإله الرحيم يحتفل بالأعياد ، ثم يرتكب المظالم ، ويقوم بالحب ، ويشتغل ، ويحب الأشياء المستحيلة ، مثلي تماماً . إنه يأكل ما يعجبه ، ويأخذ المرأة التي يريد ، انك ترى امرأة جميلة كالماء النمير ، تمر أمامك ، فيهف قلبك ، لكن فجأة تنفتح الأرض ، وتختفي ، إلى أين ذهبت ؟ من أخذها ؟ إذا كانت عاقلة يقال : لقد أخذها الإله الرحيم . وإذا كانت خاطئة ، يقال : لقد أخذها الشيطان. لكنني أنا ، أيها الرئيس ، أقول لك وأكرر : أن الله والشيطان واحد! ".
إن كل ما يجري على هذه الأرض غير عادل ، غير عادل ، غير عادل! أنا ، دودة الأرض ، زوربا الحلزون ، لا أوافق على ذلك ! لماذا يجب أن يموت الشباب ، وأن تبقى الأنقاض الهرمة؟ لماذا يموت الأطفال الصغار؟ كان لي أنا صبي ، صغيري ديمتري ، وفقدته وهو في الثالثة ، وأبداً ، أتسمعني ، لن أسامح الله على ذلك ! يوم أموت ، إذا كان يجرؤ على الظهور أمامي ، وإذا كان إلهاً عن حق ، فسوف يخجل أمامي ، أنا زوربا الحلزون !
يا للإنسان من آلة مضحكة! إنك تملأها بالخبز ، والخمر ، والسمك ، والفجل ، فيخرج منها تنهدات ، وضحك وأحلام . إنه مصنع ! أعتقد أن في رؤوسنا سينما صوتية كتلك الأفلام الناطقة.
إن أعلى ذروة يبلغها الإنسان ، ليست هي المعرفة ، ولا الفضيلة ، ولا الطيبة ، ولا النصر ، بل شيء اكبر ، وأكثر بطولة ، وأشد يأساً : الرعب المقدس .
إننا ديدان صغيرة ، ديدان صغيرة جداً تقف على ورقة صغيرة من أوراق شجرة هائلة . وهذه الورقة الصغيرة هي أرضنا . والأوراق الأخرى هي النجوم التي نراها تضرب في الليل. إننا نسير فوق ورقتنا الصغيرة ونحن نتفحصها بقلق . أننا نشمها ، فتفوح منها رائحة طيبة أو كريهة . نذوقها فنجد فيها الغذاء . نقفز فوقها فترن وتصرخ وكأنها كائن حي.
" بعض البشر ، ممن هم أشجعهم ، يصلون إلى حافة الورقة . ومن هناك ، ننحني ، وأعيننا جاحظة ، وآذاننا ممدودة ، لمحو الفراغ . ونرتعد . إننا نحزر تحتنا الهوة المرعبة ، ونسمع من بعيد حفيف أوراق الشجرة الهائلة الأخرى ، ونحس بالنسغ يصعد من جذور الشجرة ، وينتفخ قلبنا .
وهكذا ونحن منحنون على الهاوية ، نأخذ بالارتعاد ، بكل جسدنا ، وبكل روحنا ، رعباً . وبدأً من تلك اللحظة يبدأ الخطر الأكبر ، يا زوربا ، يصيب الدوار البعض فيهذون ، وآخرون يخافون ، ويجهدون في إيجاد جواب يثبت قلوبهم ، ويقولون : الله . وآخرون أيضاً ينظرون من طرف الورقة ، إلى الهوة ، بهدوء وشجاعة ويقولون: إنها تعجبني.
وفكر زوربا ملياً . وأخيراً قال :
أنا ، أنظر كل لحظة إلى الموت . أنظر إليه ولا أخاف . ومع ذلك فإنني لا أقول أبداً ، أبداً : أنه يعجبني ، كلا . إنه لا يعجبني مطلقاً ! إنني لست موافقاً على ذلك !
لا لست أنا الذي سيمد عنفه للموت كخروف ، قائلاً له : اقطع رأسي ، كي أذهب مباشرة إلى الجنة !.
كنت أصغي إلى زوربا ، حائراً . من كان ذلك الحكيم الذي حاول أن يعلم تلاميذه أن ينفذوا عن طواعية ما يأمر به القانون ؟ أن يقولوا نعم للضرورة ، أن يحولوا ما لا بد منه إلى إرادة حرة ؟ لعل هذا الطريق هو الطريق الإنساني الوحيد نحو الخلاص . إنه يستدعي الرثاء ، لكن ليس هناك غيره .
كففت عن السؤال عما سيجري غداً . ما يجري اليوم ، في هذه اللحظة ، هذا ما أهتم به . إنني : " ماذا تفعل في هذه اللحظة ، يا زوربا ؟" – إنني أنام – إذاً نم جيداً ! – ماذا تفعل في هذه اللحظة ، يا زوربا ؟ - إنني أشتغل – إذا اشتغل جيداً ! – ماذا تفعل في هذه اللحظة ، يا زوربا ؟ - إنني أعانق امرأة – إذاً ، عانقها جيداً ، يا زوربا ، أنسى كل الباقي فليس في العالم شيء آخر ، ليس فيه إلا هي وأنت ، هيا " .
إن الإله الرحيم ، كما ترى ، لا تستطيع طبقات السماء السبع وطبقات الأرض السبع أن تسعه . لكن قلب الإنسان يسعه . إذاً احذر يا ألكسيس ، من أن تجرح ذات يوم قلب الإنسان!" .
أنت تفهم ! أنت تفهم وهذا ما سيضيعك ! لو كنت لا تفهم ، لكنت سعيداً . ما الذي ينقصك ؟ أنت شاب ، ذكي ، عندك مال ، وصحة جيدة ، وأنت فتى شجاع ، لا ينقصك شيء ، بحق الشيطان ! لا ينقصك إلا شيء واحد : الجنون . وعندما يكون هذا ناقصاً …